كان عام 1974، الذي شهد ثورة القرنفل في البرتغال، محوريا في عمليات إنهاء الاستعمار عن الأراضي الخاضعة للهيمنة الاستعمارية البرتغالية والإسبانية. اعترف البلدان في ذلك العام نفسه بحق شعوب أفريقيا في تقرير المصير: البرتغال بالنسبة لأنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو والرأس الأخضر وساو تومي وبرينسيبي؛ وإسبانيا بالنسبة لغينيا الاستوائية والصحراء الإسبانية.
في ذلك العام نفسه، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارين ذوي أهمية تاريخية كبرى للأراضي المعنية.
يتناول القرار 3294 (د-29)، الذي صدر في 13 ديسمبر/كانون الأول 1974، “مسألة الأراضي الخاضعة للسيطرة البرتغالية”. صدر هذا القرار بعد ثورة القرنفل (أبريل/نيسان 1974)، حين اعترفت الحكومة البرتغالية الجديدة بحق مقاطعاتها ما وراء البحار في تقرير المصير والاستقلال. لم يكتفِ هذا القرار بتيسير استقلال شعوب أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو والرأس الأخضر وساو تومي وبرينسيبي، بل حث أيضا المجتمع الدولي ووكالات الأمم المتحدة (مثل منظمة الصحة العالمية) على تقديم المساعدة الإنسانية والاقتصادية والطارئة لإعادة إعمار تلك الأراضي، التي كانت بنيتها التحتية الصحية والمدنية قد انهارت بسبب سنوات الحرب الاستعمارية.
أما القرار 3292 (د-29)، الذي اعتمد أيضاً في 13 ديسمبر/كانون الأول 1974، فقد طلب من محكمة العدل الدولية إبداء رأي استشاري بشأن الوضع القانوني للصحراء الغربية قبل استعمارها من قبل إسبانيا. وطلب القرار من محكمة لاهاي الإجابة عن سؤالين أساسيين، دون المساس بحق شعب الصحراء في تقرير المصير، وفقاً للقرار 1514 (د-15) الصادر في 14 ديسمبر/كانون الأول 1960 (إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة):
-
هل كانت الصحراء الغربية أرضاً لا مالك لها (terra nullius) عندما استعمرتها إسبانيا؟
-
ما هي الروابط القانونية بين تلك الأرض والمملكة المغربية والكيان الموريتاني؟
أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1975، وخلصت إلى أن الصحراء الغربية لم تكن terra nullius، وأنه لا توجد روابط سيادة إقليمية لا مع المغرب ولا مع موريتانيا من شأنها أن تمنع تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحقيقي عن إرادة شعب الصحراء.
على الرغم من وضوح هذه الاستنتاجات، فإن آخر حكومة في ظل نظام فرانكو، مع خوان كارلوس دي بوربون كرئيس للدولة بالإنابة بعد مرض فرانسيسكو فرانكو، خانَت علناً حق شعب الصحراء. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 1975، إزاء ما يسمى “المسيرة الخضراء” التي نظمها المغرب، وقّعت السلطات الإسبانية اتفاقيات مدريد، التي سلمت بموجبها بحكم الأمر الواقع إدارة الإقليم إلى المغرب وموريتانيا، متخلية عن السكان الصحراويين ومخالفةً بذلك رأي محكمة العدل الدولية وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. شكل هذا التسليم الأحادي الجانب انتهاكاً صارخاً للالتزامات الدولية لإسبانيا باعتبارها القوة القائمة بالإدارة.
منذ ذلك الحين، اتخذت الحكومات الإسبانية المتعاقبة موقفاً غامضاً أو معادياً مباشرةً لحق شعب الصحراء في تقرير المصير. لجأ بعضها إلى صيغ مماطلة أو إلى اعتراف رسمي بوضع إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي دون اتخاذ تدابير فعالة. غير أن تصرف الحكومة الائتلافية الحالية كان الأكثر كارثية: فبدعمها الصريح للأطروحات الاستعمارية والضماحية للمغرب، خانَت ليس فقط مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، بل أيضاً الالتزام التاريخي لإسبانيا بإنهاء الاستعمار وبشعب الصحراء. يشكل هذا الموقف تخلياً عن الشرعية الدولية وشرعنة للاحتلال العسكري واستغلال الموارد الطبيعية للإقليم.
في الختام، تخلو المطالبات الإقليمية القائمة على مزاعم تاريخية أو جغرافية من الصحة القانونية حين تصطدم بمبدأ تقرير المصير للشعوب، كما تؤكد ذلك بوضوح القرار 3292 (د-29) في حالة الصحراء، وكما ينبغي تطبيقه، من باب الاتساق، على أي ادعاء مماثل، بما في ذلك ما قد يُثار بخصوص سبتة. يقرر القانون الدولي المعاصر، الذي تعزز بعد ميثاق الأمم المتحدة والقرار 1514 (د-15)، أن الإرادة المعبّر عنها بحرية لشعوب الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي تعلو على مزاعم السيادة القائمة على روابط تاريخية أو على التجاور الجغرافي. إن أي محاولة لحل قضية الصحراء الغربية خارج إطار استفتاء حقيقي لتقرير المصير تشرف عليه دولياً تشكل انتهاكاً للقانون الدولي وتخلد وضعاً استعمارياً عفا عليه الزمن.